بعــــض اضطــــرابــات الشخصيــــة لــــدى الأطفــــال... البواعــــــث والمظاهــــر

أ.د/ حسن عبد الفتاح الفنجرى


الملخص


مقدمـــــة: تعتبر اضطرابات الشخصية نموذجا للسلوك الشامل والثابت نسبيا والذى يظهر فى مرحلة المراهقة ويثبت فى الرشد، ويسبب خللا واضحا فى الجوانب المعرفية، والوجدانية والتفاعلية، ويؤثر على حياة الفرد من الناحية الوظيفية والاجتماعية والمهنية، ويبقى مع الفرد طوال الوقت، وعلى الرغم من أن معظم اضطرابات الشخصية تنخفض شدتها خلال مراحل العمر المتقدمة، وفقا للتغيرات البيولوجية والتوافق التدريجى مع الضغوط البيئية، إلا أنها تعتبر من أًصعب الاضطرابات النفسية عند العلاج. (Kazdin, 2000,120) وقد يستدل على اضطرابات الشخصية خلال فترة الطفولة، كما يمكن ملاحظتها قبل عمر الثامنة عشرة إلا أن هذه الاضطرابات لا تشخص- عادة – إلا عند بلوغ الفرد مرحلة الرشد المبكر باعتبارها سمة من سمات الشخصية .(سعاد البشر، 2005، 405). ولذا سوف نناقش في هذا البحث بعض اضطرابات الشخصية لدى الأطفال وهما اضطراب الشخصية النرجسية، واضطراب الشخصية البينية، وذلك من حيث المفهوم والأسباب والمظاهر. أولاً: الشخصية النرجسية: يرجع مفهوم النرجسية إلى أسطورة قديمة لشاب يدعى " نرجس" وكان شابا جميلا جمالا ناصعا أحبته حورية (ملكة من ملكات الماء أو الغابة) اسمها (صدى) أو (إكوEcho) ولكنه أعرض عنها فى احتقار فاعتصرها الحزن والألم فحزنت لها أخواتها وشكون نرجس إلى الملكة، وذكرن لها أنانية نرجس فقررت الملكة الانتقام من نرجس، ولما كان أحد الحكماء قد صرح بأن نرجس سيعيش طالما لم ينظر إلى وجهه فى المرآة، فما كان من الملكة إلا أن أغرته بأن ينظر إلى صورته على صفحة المياه، فصرعه حبه لهذا الوجه الجميل الذى رآه فى الماء والذى لم يستطع الوصول إليه ولا أن ينصرف عنه حتى تحول بالتدريج إلى زهرة تحمل هذا الاسم "نرجس" تزدهر فى الربيع وتذبل فى الخريف. ويلاحظ من هذه الأسطورة أن نرجس نظر إلى صورته على صفحة المياه(المرآة العاكسة) وتعرف على ذاته بوصفها صورة ظل موثقا بها وانصرف عن أمور الحياة ولم ينتبه إلى جوعه أو عطشه حتى مات، وكأن النرجسية أو حب الذات أو الوعى بالذات مرتبطا ارتباطا وثيقا بفكرة الموت. (نيفين زيور، 2000، 28) وتحمل النرجسية دائما اتجاها مزدوجا وتتسم بجدلية واضحة ذلك أنه لا يمكن وجود حالة خالصة من النرجسية دون أن يتخللها عوامل أخرى على المستوى التوافقي والصراعى فيكون لدنيا نرجسية أولية ونرجسية ثانوية، ونرجسية إيجابية، ونرجسية سلبية (تتكامل مع الفرد أو تشعره بالإثم) نرجسية سوية ونرجسية مرضية، نرجسية ناضجة ونرجسية غير ناضجة. ويصفها فرويد Freud بأنها أنوية غريزة المحافظة على بقاء الذات وكتب عن ثلاثة أنواع للنرجسية فى مرحلة الرشد: النرجسية الطبيعية، الثانوية (المؤقتة) والمرضية، ويصف النرجسية الطبيعية بأنها " التكملة الليبدية للإنانية أو غريزة حفظ الذات"، وتختلف النرجسية الطبيعية عن النرجسية الأولية Primary Narcissism التى يحصر فيها الطفل توظيف طاقته الليبدية فى ذاته- فى الدرجة فقط، أما فى المواقف التى يركز فيها الفرد عن ذاته بسبب مرضه أو التعرض إلى ضغوط أخرى تنبثق النرجسية الثانوية والتى تعبر عن ارتداد الليببدو والمنسحب من عالم الموضوع إلى عالم الذات وأخيرا يطلق فرويد اسم النرجسية المرضية على الانسحاب الكامل الفصامى من عالم الموضوع (David , 2003:5) ويميز فرويد بين مفهوم النرجسية ومفهوم الأنانية Egoism ويصف النرجسية بأنها التكملة الليبيرية للأنانية، وتدور الأنانية على ما ينفع الفرد، أما النرجسية فتتضمن بالإضافة إلى عنصر المنفعة السابق عنصرا آخر هو إشباع الحاجات الليبيدية . (فرويد، 462) ويميز Otto Kernberg بين النرجسية الطبيعية والمرضية فيرى أن النرجسية الطبيعية تشير إلى اندماج تمثيلات الذات والموضوع بشكل جيد أما النرجسية المرضية فتصف بناء نفسى داخلى ضعيف يصاحبه تمثيل ذاتى متضخم واضطراب حاد فى علاقات الموضوع . (Guile, 1996: 344) الشخصية النرجسية السوية والمرضية: لكل فرد مكونات نرجسية فى شخصيته وهذا ما يسمى بالنرجسية الصحية Healthy Narcissism والتى تشير إلى احترام الذات بعكس النرجسية الباثولوجية Pathological Narcissism والتى تقوم على تضخيم الفرد لذاته ومواهبه واعتقاده أنه جدير بمعاملة خاصة. ومفهوم النرجسية الصحية له معانى كثيرة بعضها يوجهنا نحو حفظ الذات Self- Preservation فالأطفال لكى يحيوا لابد أن ينمو لديهم تقدير الذات الصحى حتى يتجنبوا الأخطار التى تهدد سلامتهم أو بقائهم على الحياة محاولين الوصول إلى الكمال فى تصرفاتهم، فالنرجسية هى الحاجة إلى حماية الذات، ومن مظاهر النرجسية السوية أيضا المظاهر العدوانية والتوكيدية، وفى النرجسية الطبيعية يدرك الفرد أنه حين يقدم كل الاهتمام والاحترام للآخرين فإنه يلقى أعظم الحب والمساعدة عند الحاجة إليها من الآخرين فهناك مقابل لحب الآخرين. (البحيرى ،2005: 64) وقد نجد زيادة فى تقدير الذات زائد عن الحد لدى بعض الفئات ولنا أن نتساءل أهو مظهر إيجابى أم سلبى للنرجسية الطبيعية ؟ والإجابة أنه مظهر إيجابي فقد يرتفع تقدير الذات زيادة ملحوظة من المعدل الطبيعي أي يتعدى حدود النرجسية الطبيعية ولكن هذا لا يدخل فى النرجسية الباثولوجية ومن أمثلة ذلك: 1- فى بعض المواقف العامة أو المهن المتنوعة يبدو أن الأداء الجيد والأقصى يحتاج إلى ارتفاع فى مستوى تقدير الذات ولكن ليس تضخيما فى الذات. 2- الأشخاص الذين لديهم طموح فى أعمالهم وملئ بالثقة بالنفس والتواضع وليس بالشك فى النفس. 3- الأشخاص الذين يتصفون بالكاريزما Charisma بالرغم من أنها ترتبط بالنرجسية شبه الطبيعية إلا أنهم يجعلون الآخرين يحبونهم كما لو كانت هناك علاقة طبيعية بينهم. 4- القادة يكون لديهم تقدير ذات مرتفع وثقة بالنفس وهى مكونات مهمة وأساسية فى عملية القيادة. 5- روح المنافسة Competitiveness مطلوبة فالمخترع له الحق فى استغلال اختراعه والإفادة من تسويقه، لكن المخترع النرجسي يعمل على تدمير فرص الآخرين فى التسويق أو تسويق منتج مماثل. (البحيري، 2000 :65).


الكلمات الدلالية


اضطرابات الشخصية الاطفال


Shareon Facebook